-->
3efrit blogger

الأحد، 29 يونيو 2014

القضية الوطنية « نشوءها تطورها حلولها »

القضية الوطنية « نشوءها تطورها حلولها »



منشورات صوت الشعب

1944

البحث الأول
في تعريف الأمة
  
الفصل المنشور فيما يلي هو جزء من بحث كبير كتبه ستالين في فيينا في أواخر عام 1912 وأوائل 1913 عن «الماركسية والمسألة الوطنية».
وقد نشر هذا البحث للمرة الأولى سنة 1913 في الأعداد 3 و4 و5 من المجلة البلشفية «بروسفيشتشينيه» تحت عنوان «المسألة الوطنية والاشتراكية الديمقراطية».
  
ما الأمة؟
   الأمة هي قبل كل شيء جماعة: جماعة معينة من الناس. وليست هذه الجماعة عرقية ولا قبلية. فقد تشكلت الأمة الإيطالية الحالية من الرومان والجرمن واليونان والأتروسك والعرب الخ... وتشكلت الأمة الفرنسية من الغاليين والرومان  والبرتون والجرمن الخ.. ومثل هذا يقال عن الانكليز والألمان وسواهم، الذين تألفوا كلهم أمماً، من أناس ينتسبون على عروق وقبائل مختلفة.
   وهكذا فالأمة ليست جماعة عرقية ولا قبلية، بل هي جماعة من الناس تألفت بعوامل التاريخ.
ومن جهة أخرى، لا شك في أن دولتي كسرى والاسكندر الضخمتين لا يصح تسميتهما أمتين، رغم أنهما تشكلتا تاريخياً، ورغم أنهما تشكلتا من قبائل وعروق مختلفة. فهما لم تكونا أمتين بل كانت خليطاً عارضاً من جماعات ضعيفة الروابط فيما بينها، تتفرق، وتتحد تبعاً لنجاح أو فشل هذا أو ذاك من الفاتحين.
ولذا فالأمة ليست خليطاً عارضاً واهياً، بل هي جماعة ثابتة من الناس.
ولكن كل جماعة ثابتة لا تؤلف أمة، فالنمسا وروسيا هما أيضاً وحدتان ثابتتان من الجماعات، ومع ذلك فلا يسميهما أحد أمتين، فما الذي يميز الوحدة القومية عن وحدة الدولة إذاً؟ مما يميز بينهما أنه لا يمكن تصور الوحدة القومية دون لغة مشتركة، على حين أن اللغة المشتركة ليست إجبارية في الدولة. فلم يكن من الممكن أن تكون هناك أمة تشيكية في النمسا، وأمة بولونية في روسيا لولا أن لكل واحدة منهما لغة مشتركة، على حين أن وجود مجموعة من اللغات داخل روسيا والنمسا لا ينافي وحدة كل من هاتين الدولتين. ونحن في كلامنا عن اللغات نعني طبعاً اللغات الشعبية المتداولة لا اللغات الرسمية المستعملة في الدوائر.
ولذا فاللغة المشتركة هي إحدى الخصائص المميزة للأمة.
   وبالطبع لا يعني هذا أن الأمم المختلفة تتكلم دائماً، وفي كل مكان لغات مختلفة. فمن الواضح أن ليس هناك أمة تتكلم عدة لغات في الوقت نفسه، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يمكن وجود أمتين تتكلمان اللغة نفسها، فالإنكليز والأمريكيون الشماليون يتكلمون لغة واحدة. ويجب أن نقول مثل ذلك عن النرويجيين والدانمركيين وعن الانكليز والإيرلنديين.
ولكن لماذا لا يؤلف مثلاً الإنكليز وأمريكيو الشمال أمة واحدة بالرغم من اللغة المشتركة بنيهما؟.. لأنه قبل كل شيء يعيشون في أراض مختلفة، وليس جنباً إلى جنب. فالأمة لا تتألف إلا نتيجة لعلاقات مستمرة منتظمة، نتيجة لحياة مشتركة بين الناس جيلاً بعد جيل. ولكن الحياة المشتركة الطويلة الأمد مستحيلة من غير أرض مشتركة يعيشون عليها.
فالإنكليز والأمريكيون كانوا قديماً يسكنون أرضاً واحدة هي انكلترا، ويؤلفون أمة واحدة. ثم هاجر قسم من الإنكليز من انكلترا إلى أرض جديدة هي أمريكا، وهناك على هذه الأرض الجديدة ألفوا مع الزمن أمة جديدة هي الأمة الأمريكية الشمالية، وهكذا أدى اختلاف الأراضي إلى تشكل أمم مختلفة.
لذا فالأرض المشتركة هي إحدى الخصائص المميزة للأمة.
ولكن هذا أيضاً ليس كل شيء. فالأرض المشتركة لا تكفي بذاتها لتأليف أمة، إذ ينبغي فوق ذلك لتكوين الأمة، وجود علاقة اقتصادية داخلية تجمع مختلف أجزاء الأمة في «كل» واحد. وعلاقة كهذه ليست موجودة بين انكلترا وأمريكا الشمالية. ولذا فهما تشكلان أمتين مختلفتين، ولم يكن أمريكيو الشمال ليستحقوا لقب أمة لو لم تكن مختلف أجزاء أمريكا الشمالية مرتبطاً بعضها ببعض في وحدة اقتصادية، بفضل تقسيم العمل بينهما، وبفضل تطور طرق المواصلات الخ.. لنأخذ الجيورجيين، مثلاً. إن الجيورجيين قبل الإصلاح (الإصلاح الزراعي الذي ألغى الرق في روسيا عام 1860 ـ المعرب)، كانوا يعيشون على أرض واحدة مشتركة، وكانوا يتكلمون لغة واحدة، ومع ذلك لم يكونوا يؤلفون أمة واحدة بمعنى الكلمة الدقيق، لأنهم بانقسامهم إلى عدد من الإمارات المنفصل بعضها عن بعض لم يكونوا يستطيعون أن يحيوا حياة اقتصادية مشتركة. وقد ظلوا يتحاربون خلال أعصر طويلة، ويخرب بعضهم بلاد بعض، ويثير واحدهم على الآخر الأتراك والفرس. أما الاتحاد العرضي الواهي الذي كان يفلح أحد القياصرة المحظوظين بتحقيقه أحياناً بين الإمارات، فلم يكن يشمل في أحسن الحالات إلا الكتلة الإدارية السطحية، ثم كان يتحطم سريعاً على أهواء الأمراء وأمام اللامبالاة التي يستقبله بها الفلاحون. ولم يكن في الإمكان أن تكون الحالة على غير ذلك، نظراً للتجزئة الاقتصادية التي كان تقاسيها جيورجيا.
ولم تطلع جيورجيا في شكل أمة، إلا في النصف الثاني للقرن التاسع  عشر عندما جاء إلغاء الرق وتقدم الحياة الاقتصادية في البلاد وتطور طرق المواصلات ونشوء الرأسمالية. فأوجدت هذه العوامل تقسيم العمل بين مناطق جيورجيا، وقضت نهائياً على العزلة الاقتصادية في مختلف الإمارات وجمعتها في «كل» موحد. ويجب أن يقال مثل ذلك عن الأمم الأخرى التي اجتازت مرحلة الإقطاعية ورقت الرأسمالي في بلادها.
إذاً فالحياة الاقتصادية المشتركة، أو الاندماج الاقتصادي، هو إحدى الخصائص المميزة للأمة.
ولكن هذا أيضاً ليس كل شيء. فعدا ما أسلفناه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار نفسية الناس المندمجين في أمة واحدة. فلا تتميز الأمم بعضها عن بعض بشروط معيشتها وحسب، بل أيضاً بعقليتها التي تجد تعبيراً لها في خصائص الثقافة القومية. فإذا كانت انكلترا وأمريكا الشمالية وإيرلندا تتكلم ثلاثتها لغة واحدة، وتؤلف مع ذلك ثلاث أمم مختلفة، فإن الذي يلعب دوراً هاماً في ذلك هو التكوين النفسي الخاص الذي تشكل عند كل منها جيلاً بعد جيل، تبعاً لشروط المعيشة المختلفة.
ومما لا ريب فيه أن التكوين النفسي الخاص بذاته، أو «الطابع القومي»، كما يقول البعض بعبارة أخرى، يتراءى للملاحظ كأنه شيء لا يمكن تحديده. ولكن لما كان هذا الطابع القومي يجد تعبيراً له في الخصائص المميزة للثقافة المشتركة بكل أمة، فهو إذن شيء يمكن تحديده ولا يمكن إنكاره.
ومن المفهوم أن «الطابع القومي» ليس شيئاً ثابتاً تم وضعه مرة واحدة وإلى الأبد، فإنه يطرأ عليه التعديل تبعاً للتعديل الذي يطرأ على شروط المعيشة،  لكنه مادام شيئاً موجوداً في كل لحظة مفروضة فهو يترك طابعه على هيأة الأمة.
ولهذا فالتكوين النفسي المشترك الذي يجد تعبيراً له في الثقافة المشتركة، هو أحدى الخصائص المميزة للأمة.
وعلى هذه الصورة نكون قد استنفدنا كل العلائم التي تميز الأمة.
فالأمة جماعة ثابتة من الناس، مؤلفة تاريخياً، لها لغة مشتركة، وأرض مشتركة، وحياة اقتصادية مشتركة، وتكوين نفسي مشترك يجد له تعبيراً في الثقافة المشتركة.
ومن المسلم به أن الأمة، ككل حادث تاريخي، تخضع لقانون التغير، فلها تاريخها، ولها بداية ونهاية.
ومن الضروري أن نشير إشارة خاصة إلى أن كل علامة من العلائم التي ذكرناها لا تكفي لتعريف الأمة إذا هي أخذت على حدة. ونذهب إلى أبعد من ذلك فنقول: يكفي أن تنعدم علامة واحدة من هذه العلائم حتى تنقطع الأمة عن كونها أمة.
فيمكن أن نتصور أناساً لهم «طابع قومي» مشترك دون أن يكون في الاستطاعة القول بأنهم يؤلفون أمة واحدة إذا كانوا متفرقين اقتصادياً، أو إذا كانوا يعيشون على أراضي مختلفة، أو يتكلمون لغات مختلفة الخ... مثلاً: اليهود الروس والغاليسيون والأمريكيون والجيورجيون وكذلك اليهود القاطنون جبال القوقاز، فهم في رأينا، لا يؤلفون أمة واحدة. ويمكن أن نتصور أناساً لهم حياة اقتصادية مشتركة وأرض مشتركة، لكنهم مع ذلك لا يؤلفون أمة إذا لم تكن لهم لغة مشتركة و«طابع قومي» مشترك، كالألمان واللتوان في بلاد البلطيك مثلاً.
وأخيراً، لو أخذنا النرويجيين والدنمركيين لرأيناهم يتكلمون لغة واحدة، دون أن يؤلفوا مع ذلك أمة واحدة، نظراً لفقدان الميزات الأخرى.
إن اجتماع كل هذه المميزات هو وحدة الذي يوجد الأمة.


البحث الثاني
مراحل تطور القضية القومية
الفصل المنشور فيما يلي مأخوذ من التقرير الذي قدمه ستالين أمام المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي في 10 آذار سنة 1921.
قبل أن نتقدم رأساً على الواجبات العاجلة المحسوسة التي تترتب على الحزب في المسألة الوطنية، من الضروري تقرير بعض المبادئ الأولية التي يستحيل دونها حل هذه المسألة. وتدور هذه المبادئ حول قضية تكون الأمم، ونشوء الاضطهاد القومي، وقضية أشكال هذا الاضطهاد خلال التطور التاريخي، ومن ثم قضية الصور المختلفة لحل المسألة الوطنية في مختلف مراحل التطور.
إن هذه المراحل ثلاث:
فالمرحلة الأولى هي مرحلة تصفية الإقطاعية في الغرب، مرحلة انتصار الرأسمالية. فخلال هذه المرحلة تألف الأفراد في أمم. وعندما أقول الغرب أعني انكلترا (دون إيرلندا) وفرنسا وإيطاليا. ففي هذه البلاد ـ أي في انكلترا وفرنسا وإيطاليا وبصورة جزئية في ألمانيا ـ نرى أن مرحلة تصفية الإقطاعية وتألف الأفراد في أمم، قد التقت إذ ذاك بصورة عامة بالمرحلة التي  ظهرت فيها الدولة الممركزة. فكان من نتيجة ذلك أن الأمم خلال تطورها اتخذت شكل الدولة. وبما أنه لم يكن داخل تلك الدول جماعات قومية أخرى لها أهمية تذكر، فلم يكن فيها كذلك اضطهاد قومي.
أما في شرق أوروبا، وأعني المجر والنمسا وروسيا، فكان الأمر على عكس ذلك، إذ أن عملية تكون القوميات وتصفية التجزئة الإقطاعية لم ترافق، في الزمن، عملية تكون الدول الممركزة. فالتطور الرأسمالي لم يكن بعد موجوداً في هذه البلاد، أو لعله كان لا يزال في دور النشوء فقط، في حين أن ضرورات الدفاع ضد غارات الأتراك والمغول والشعوب الشرقية الأخرى، كانت تقتضي الإسراع في تشكيل دولة ممركزة قادرة على الوقوف في وجه الغارات ومقاومتها.وبما أن تكون الدول الممركزة في شرق أوربا كان أسرع من تألف الأفراد في أمم، فقد رأينا فيه نشوء دولة مختلفة مؤلفة من شعوب عديدة، ولم تكن هذه الشعوب قد تألفت في أمم بعد، ولكنها تجمعت مع ذلك في دولة واحدة.
فالمرحلة الأولى إذاً تتميز بظهور القوميات في فجر الرأسمالية، مع الملاحظة أنه بينما كانت تنشأ في غرب أوربا دول قومية محضة ليس فيها اضطهاد قومي، كانت تنشأ في شرق أوربا دول متعددة القوميات على رأسها أمة واحدة أكثر تقدماً وتطوراً، ومن ثم أمم أخرى أقل تقدماً وتطوراً، خاضعة للأمة المسيطرة من الوجهة السياسية أولاً، ومن الوجهة الاقتصادية ثانياً. وقد أصبحت هذه الدولة الشرقية ذات القوميات المتعددة، موطن الاضطهاد القومي الذي بعث النزاعات القومية والحركات القومية، ونشأت عنه المسألة الوطنية كما نشأ مختلف الصور لحل هذه المسألة.
أما المرحلة الثانية في تطور الاضطهاد القومي ووسائل مكافحته،  فترتبط بمرحلة ظهور الاستعمار (الامبرياليزم). فإن الرأسمالية تفتش في هذه المرحلة عن أسواق لتصريف منتجاتها، وتبحث عن مواد أولية، ومحروقات، ويد عاملة، رخيصة، وتناضل لأجل السيطرة على الخطوط الحديدة والبحرية الكبرى،... فتتجاوز في محاولاتها هذه نطاق القومية وتوسع أراضيها على حساب الجيران، القريبين منهم والبعيدين. وخلال هذه المرحلة الثانية لا تبقى الدولة القومية، القديمة في الغرب ـ مثل انكلترا وإيطاليا وفرنسا ـ دولاً قومية، أي أنها باستيلائها على أراض جديدة تتحول إلى دول متعددة القوميات، إلى دول استعمارية، وتصبح بذلك مسرحاً للاضطهاد القومي والاستعماري نفسه الذي رأيناه في شرق أوروبا. أما في شرق أوربا، فتتميز هذه المرحلة، المرحلة الثانية، بيقظة الأمم المستعبدة (مثل التشيكيين والبولونيين والأوكرانيين)، وازدياد قوتها، مما أدى بعد الحرب الاستعمارية إلى انحلال الدول البرجوازية القديمة ذات القوميات المتعددة، وتكون دول قومية جديدة خاضعة للدول التي اصطلح على تسميتها بالدول العظمى.
أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة السوفييتية، مرحلة هدم الرأسمالية والقضاء على الاضطهاد القومي. ففي هذه المرحلة أصبحت قضية الأمم المسيطرة والأمم والمستعبدة، قضية المستعمرات والبلاد الحاكمة المستعمرة (بكسر الميم) من القضايا التي طواها التاريخ، وأمست في خبر كان وأصبحنا نرى على أراضي الجمهورية السوفييتية الاتحادية الاشتراكية الروسية قوميات تبرز من جديد، وهي تتمتع بحقوق متساوية، ولديها إمكانيات متساوية للتطور والتقدم، ولكنها لا تزال على شيء من التفاوت الذي ورثته من التاريخ بسبب تأخرها الاقتصادي والسياسي والثقافي. أما أصل هذا التفاوت ومنشأه الأساسي فهو أننا بنتيجة التطور التاريخي ورثنا من الماضي قومية متقدمة أكثر من القوميات الأخرى من الوجهة السياسية والصناعية، وهذه القومية هي القومية الروسية. ومن هنا نشأ هذا التفاوت الواقعي الذي لا يمكن القضاء عليه في سنة واحدة، بل يجب القضاء عليه بتقديم مساعدة اقتصادية وسياسية وثقافية للقوميات المتأخرة.
هذه هي المراحل الثلاث التي تتالت تاريخياً أمام أعيننا في تطور المسألة الوطنية.
وهناك صفة مشتركة بين المرحلتين الأولى والثانية تتلخص فيما يلي: في كلتا المرحلتين تعاني القوميات الاضطهاد والاستعباد، فيبقى النضال القومي مستمراً، وتبقى المسألة الوطنية دون حل.
ولكن هناك أيضاً فرق بين المرحلتين يتخلص فيما يلي: في المرحلة الأولى لا تخرج المسألة الوطنية عن نطاق الدول ذات القوميات المتعددة مأخوذة كل منها على حدة، ولا تشمل إلا قوميات قليلة، وخصوصاً القوميات الأوروبية.
أما في المرحلة الثانية، فتتحول المسألة الوطنية من قضية داخلية في دولة واحدة، إلى قضية تهم عدة دول، إلى قضية حرب بين الدول الاستعمارية التي ترمي إلى الاحتفاظ بسيطرتها على القوميات المحرومة حقوقها الكاملة، كما تحاول أن تخضع لنفوذها شعوباً وقبائل جديدة في خارج أوربا. وهكذا نرى أن المسألة الوطنية التي لم يكن لها من قبل أية أهمية إلا في الأقطار المتقدمة، قد خرجت في هذه المرحلة عن عزلتها، وامتزجت بقضية المستعمرات العامة.
   إن تطور المسألة الوطنية وتحولها إلى مسألة المستعمرات العامة، ليس مصادفة تاريخية. ويفسر هذا التطور في الدرجة الأولى بأن كل فريق من الدول الاستعمارية المتحاربة رأي نفسه مضطراً، خلال الحرب الاستعمارية، إلى الاستعانة بالمستعمرات ليأخذ منها المادة البشرية اللازمة لتشكيل جيوشه. ولا ريب في أن هذا العمل الذي لم يكن منه بد (أي: استعانة المستعمرين بالشعوب المتأخرة في المستعمرات)، كان من نتائجه إيقاظ هذه الشعوب والقبائل إلى التحرر، إلى النضال. ثم إن العامل الثاني في توسع المسألة الوطنية وتطورها إلى قضية عامة للمستعمرات تشعل كل الكرة الأرضية بشرارات صغيرة، ثم تشملها بلهب الحركة التحريرية، أقول: إن العامل الثاني في ذلك، هو محاولة الجماعات الاستعمارية أن تتقاسم تركيا فيما بينها، وأن تقضي على وجودها كدولة. ولكن تركيا التي تعد أكثر الدول تطوراً بين الشعوب الإسلامية، لم يكن بوسعها أن تسلم بذلك، فرفعت لواء النضال، وجمعت حولها شعوب الشرق لمكافحة الاستعمار.
أما العامل الثالث فهو ظهور روسيا السوفييتية التي سجلت عدة انتصارات في نضالها ضد الاستعمار، فألهمت بطبيعة الحال شعوب الشرق المظلومة المضطهدة وأيقظتها، وأثارتها للنضال، وساعدتها على إنشاء الجبهة المشتركة للقوميات المظلومة، هذه الجبهة الممتدة من إيرلندا حتى الهند.
هذه هي كل العوامل التي كان من نتائجها خلال المرحلة الثانية من تطور الاضطهاد القومي، إن المجتمع البرجوازي لم يحل المسألة الوطنية، ولم ينشر السلام بين الشعوب، بل هو بالعكس، قد زاد في إضرام شرارة النضال الوطني، إلى أن بعث منها لهيب نضال الشعوب المظلومة والمستعمرات وشبه المستعمرات ضد الاستعمار العالمي.
   ومن الواضح أن النظام الوحيد القادر على حل المسألة الوطنية ـ أي: النظام الوحيد القادر على خلق شروط تؤمن تجاور مختلف الشعوب والقبائل وعيشها بسلام جنباً إلى جنب، وتوطيد التعاون الأخوي بينها ـ، هو نظام الحكم السوفييتي، نظام ديكتاتورية البروليتاريا.
ولم يبق ثمة حاجة للبرهان أن مساواة القوميات لا يمكن أن تكون مضمونة مع سيطرة الرأسمال وسيادة التملك ا لخاص لوسائل الإنتاج، ومع وجود الطبقات. فما دامت سيطرة الرأسمال قائمة، وما دام النضال مستمراً في سبيل تملك وسائل الإنتاج، فلا يمكن أن تكون هناك أية مساواة بين القوميات، كما أنه لا يمكن أن يكون هنالك تعاون بين الجماهير العاملة في مختلف الأمم. والتاريخ يقول لنا بأن الوسيلة الوحيدة لمحو عدم المساواة بين الأمم، الوسيلة الوحيدة لإقامة نظام التعاون الأخوي بين الجماهير العاملة في الأمم المظلومة والأمم غير المظلومة، هي القضاء على الرأسمالية، وإقامة النظام السوفييتي.


البحث الثالث
موقف الشيوعيين من الحركات الوطنية
هذا الفصل هو جزء من محاضرة كبيرة ألقاها ستالين في جامعة «سفردلوف» في موسكو، في أوائل نيسان 1924، تحت عنوان «مبادئ اللينينية».
منيت المسألة الوطنية في غضون السنوات العشرين الأخيرة بسلسلة من التبديلات غاية في الأهمية. فهي في الوقت الحاضر تختلف عما كانت عليه في زمن الأممية الثانية([1]) اختلافاً بيناً، ليس من حيث توسعها وحسب، بل أيضاً من حيث مزيتها الداخلية.
فقد كانت المسألة الوطنية في ذلك الزمن ـ أو كادت تكون ـ مقتصرة على أنها مسألة اضطهاد القوميات «المتمدنة»([2])، إذ أن الشعوب الرئيسية، المستعبدة بدرجات مختلفة، التي كان مصيرها يهم الأممية الثانية هي الشعوب الإيرلندية، الهنغارية، والبولونية، والفنلندية، والصربية. وأما مئات الملايين من الآسيويين، والأفريقيين الرازحين تحت أثقل الأنيار فلم يكن يهتم بهم عادة أحد، كأن لم يكن من الممكن وضع البيض والسود، «المتمدنين» و«المتوحشين»، في صعيد واحد. وهكذا كان عمل الأممية الثانية، فيما يتعلق بالمستعمرات، مقتصراً على بعض قرارات ملطفة غامضة، تعني فيها بتحاشي مسألة تحرير المستعمرات.
لقد عاشت هذه الانتهازية([3]) في المسألة الوطنية حتى جاءت اللينينية ([4]) فكشفت القناع وهدمت الحاجز بين البيض  والسود، بين الأوروبيين وسواهم من أمم القارات الأخرى، وساوت بين أرقاء الاستعمار «المتمدنين» وبين أرقائه «غير المتمدنين»، وهكذا جمعت بين المسألة الوطنية ومسألة المستعمرات. وبهذا أصبحت المسألة الوطنية مسألة عالمية: مسألة تحرير الشعوب المضطهدة في المستعمرات وفي البلدان التي استعبدها الاستعمار.
   وقديماً كان حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها يحول غالباً إلى حق الاستقلال الداخلي([5])، وقد وقف بعض زعماء الأممية الثانية عند حد تحويله إلى حق الاستقلال الذاتي الثقافي. أي: إنهم كانوا يمنحون الأمم المضطهدة (بالفتح) الحق بأن تكون لها مؤسساتها الثقافية، وينكرون عليها حق تحررها السياسي من نير الأمة السائدة. وبذلك أصبح مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها في خطر من أن يستخدم لتبرير الإلحاق (أي إلحاق هذه الأمم المضطهدة بالأمم السائدة عليها وربطها بها ـ المعرب). وأما الآن فقد تبدد هذا التشويش. فاللينينية قد وسعت مفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، فاعترفت للمستعمرات وللبلدان المستعبدة بحق الانفصال التام عن الدولة التي تربط بها، وتشكيل دول مستقلة، وبهذا أبعدت إمكان تبرير «الإلحاق»([6]) وهكذا فإن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ـ المبدأ الذي كان خلال الحرب الاستعمارية أداة في أيدي الاشتراكيين الشوفينيين([7]) لخداع الجماهير ـ يستخدم الآن لكشف القناع عن الميول الاستعمارية والمناورات التعصبية الشوفينية([8]) كما يستعمل أداة لتثقيف الجماهير تثقيفاً سياسياً بروح الأممية.
وقد كانت مسألة الأمم المضطهدة تعتبر فيما مضى، على وجه العموم،ـ مسألة حقوقية. ولذا كانت أحزاب الأممية الثانية تتلهى بتصريحات فخمة عن مساواة المواطنين في البلد الواحد، وبتصريحات متعددة عن المساواة بين الأمم. هذا ما كانت تتلهى به أحزاب الأممية الثانية بينما كانت تجتهد لابتلاع الأمر الواقع، ألا وهو أن «مساواة الأمم» في ظل الاستعمار الذي يسمح لبعض الشعوب أن تعيش من استثمار الشعوب الأخرى هي خرافة ليس إلا. فقد كشفت اللينينية القناع عن هذا الرياء في وجهة النظر الحقوقية حول المسألة الوطنية، وأظهرت أنه بدون تأييد الأحزاب البروليتارية([9]) تأييداً مباشراً لنضال الشعوب المضطهدة لا تكون التصريحات الفخمة عن مساواة الأمم إلا عبارات كاذبة، وهكذا فإن قضية الأمم المضطهدة (بالفتح) أصبحت قائمة على ضرورة تقديم مساعدة دائمة لهذه الأمم المضطهدة في نضالها ضد الاستعمار للحصول على استقلالها الوطني.
كانت المسألة الوطنية عند الإصلاحيين مسألة قائمة بذاتها لاعلاقة لها بمسألة سيطرة الرأسمال، ولا بقلب النظام الاستعماري، ولا بالثورة البروليتارية، فهم يسلمون ضمناً بأن ظفر البروليتاريا في أوربا ممكن بدون تحالف مباشرة مع حركة التحرر الوطني في المستعمرات وأن حل مسألة المستعمرات يمكن أن يكون خارجاً عن نطاق الثورة البروليتارية وعن النضال ضد الاستعمار. وقد كشف القناع الآن عن هذا الرأي المعادي للثورة، وبرهنت اللينينية، كما أثبتت الحرب الاستعمارية والثورة في روسيا، أن المسألة الوطنية لا يمكن أن تحل إلا في نطاق الثورة البروليتارية، وإن ظفر الثورة في الغرب يتطلب تحالف البروليتارية، وإن ظفر الثورة في الغرب يتطلب تحالف البروليتاريا الأوروبية مع حركة المستعمرات والبلاد المستعبدة ضد الاستعمار. فالمسألة الوطنية هي جزء من المسألة العامة للثورة البروليتارية، هي جزء من ديكتاتورية البروليتاريا.
وأما طرح المسألة فيكون على الشكل الآتي: أفي حركة الاستقلال الوطنية في البلاد المظلومة ممكنات ثورية؟ وإذ كان الجواب نعم، فهل من مجال لاستخدام هذه الممكنات في سبيل الثورة البروليتارية وتحويل البلدان المستعمرة والمستعبدة من قوي احتياطية للبرجوازية الاستعمارية إلى قوى حليفة للبروليتاريا الثورية؟ هكذا تعرض المسألة.
وتجيب اللينينية على هذا السؤال بالإيجاب، وبعبارة أخرى تعترف اللينينية بوجود هذه الممكنات الثورية، وترى من الضروري استخدامها للقضاء على العدو المشترك: الاستعمار.ويثبت سير تطور الاستعمار، وكذا الحرب الاستعمارية، والثورة الروسية، صحة كل استنتاجات اللينينية في هذا الموضوع.
ومن هنا تنشأ ضرورة مساعدة البروليتاريا بنشاط وحزم لحركة الشعوب المظلومة التحررية.
وبالطبع لا يفهم من هذا أن على البروليتاريا مساعدة أية حركة وطنية كانت، بل يجب عليها مساعدة الحركات التي ترمي إلى إضعاف الاستعمار وقلبه، لا إلى تثبيته وتقويته.
وقد يتفق أن تصطدم الحركات الوطنية في بعض البلاد المضطهدة (بالفتح) بمصالح الحركة البروليتارية، وفي هذه الحالة لا مجال لمساعدتها، إذ ليست مسألة حقوق أمة ما مسألة منعزلة ومستقلة، بل هي جزء من المسألة العامة للثورة البروليتارية. ومن ثم يجب أن تكون مرتبطة بهذه الأخيرة.وفي نحو سنة 1850 كان ماركس مع حركة البولونيين والهونغاريين الوطنية ضد حركة التشيك والسلاف الجنوبيين. لماذا؟ لأن هؤلاء الأخيرين كانوا «شعوباً رجعية»، كانوا طلائع روسيا الأوتوقراطية([10]) في أوربا، ولذا كان البولونيون والهنغاريون «شعوباً ثورية» يناضلون ضد الأوتوقراطية، ولأن مساعدة التشيك والسلاف الجنوبيين في حركتهم الوطنية كان معناها مساعدة غير مباشرة للقيصرية التي كانت أشد أعداء الحركة الثورية في أوربا وأعظمها خطراً.
«ليست مطالب الديمقراطية المختلفة، بما فيها حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، شيئاً مطلقاً، بل هي قسم من الحركة الديمقراطية (الاشتراكية) العالمية. ومن الممكن في بعض الحالات أن يعارض الجزء الكل، وعندئذ يجب نبذ الجزء» ـ لينين.
فإذا نظرنا إلى هذه الحركات، ليس من الناحية الحقوقية المجردة بل من خلال منظار الواقع ومن ناحية مصلحة الحركة الثورية العامة، وجدنا أن بعض هذه الحركات يتخذ أحياناً صفة رجعية.
وكذلك، فإن الصفة الثورية لأكثر الحركات الوطنية، هي أيضاً نسبية، ولها شكلها الخاص كرجعية البعض الآخر. وليس من الضروري لكي تعتبر الحركة الوطنية حركة ثورية، أن تكون مؤلفة من عناصر بروليتارية، وأن يكون لها برنامج ثوري أو جمهوري وأساس ديمقراطي. فنضال أمير أفغانستان للوصول إلى استقلال بلاده هو بحد ذاته نضال ثوري، رغم ملكية الأمير وضباطه، لأن هذا النضال يضعف الاستعمار، ويفكك قواه ويقوضها، في حين أن نضال الديمقراطيين و«الاشتراكيين» و«الثوريين» والجمهوريين أمثال «كيرنسكي» و«تسيريتيلي» و«رينوديل» و«شيدمان» و«تشيرنوف» و«داتن» و«كلينس» أثناء الحرب الاستعمارية كان نضالاً رجعياً، لأن نتيجته كانت مداهنة الاستعمار والتدليس له وتثبيت أقدامه وتحقيق ظفره. وكذلك نضال التجار المثقفين البرجوازيين المصريين في سبيل استقلال مصر هو بحد ذاته نضال ثوري، رغم أصل زعماء الحركة الوطنية وأوضاعهم أو مراكزهم البرجوازية، ورغم معارضتهم للاشتراكية، كما أن نضال حكومة العمال في انكلترا لإبقاء مصر تحت وصاية بريطانيا العظمى، هو نضال رجعي، رغم أصل أعضاء هذه الحكومة ووضعياتهم البروليتارية، ورغم ما يسمى إيمانهم واعتقادهم الاشتراكي. وكذلك الأمر في الحركة الوطنية في الأقطار المستعمرة المستعبدة الكبرى كالهند والصين مثلاً، فهي حركة ثورية مادامت موجهة ضد الاستعمار بصورة مباشرة، وإن كانت مبادئها تناقض مبادئ الديمقراطية الشكلية.
وإن لينين على حق تماماً عندما يقول: يجب أن ننظر إلى الحركة الوطنية للشعوب المضطهدة من ناحية الديمقراطية الشكلية فقط، بل من ناحية نتائجها العملية في النضال العام ضد الاستعمار، أي أنه يجب أن لا نقدر هذه الحركة «بصورة منعزلة» بل يجب تقديرها بالقياس إلى الظروف العالمية».


البحث الرابع
كيف تحل المسألة الوطنية؟؟
هذا الفصل هو تتمة للبحث السابق، وهو مثله جزء من المحاضرة الكبيرة التي ألقاها ستالين في جامعة «سفردلوف» في موسكو، في أوائل نيسان 1924.
تأخذ اللينينية في حل المسألة الوطنية بالقضايا الآتية:
أ ـ ينقسم العالم إلى معسكرين. فمن الجهة الواحدة: أقلية ضئيلة من الأمم المتمدنة قابضة بيدها على مجموع الرأسمال المالي([11]) تقريباً، تستثمر باقي سكان الكرة الأرضية. ومن الجهة الثانية: الشعوب المضطهدة المستثمرة في المستعمرات والبلدان المغلوبة على أمرها وهؤلاء يؤلفون أكثرية سكان العالم.
ب ـ إن المستعمرات والبلاد المغلوبة على أمرها والخاضعة لاستثمار الرأسمال المالي هي مورد قوى احتياطية هائلة للاستعمار.
ج ـ لن تصل الشعوب المضطهدة في البلدان المستعمرة والمغلوبة على أمرها إلى تحرير نفسها من نير الاستعمار ومن الاستثمار إلا بالنضال الثوري ضد الاستعمار.
د ـ إن أهم الشعوب المستعبدة (بالفتح) قد بدأت السير في طريق الحركة الوطنية التحريرية التي ستجر معها حتماً، أزمة الرأسمالية العالمية.
هـ ـ إن مصلحة كل من الحركة البروليتارية في البلاد المتقدمة، ومن الحركة الوطنية في المستعمرات، تقضي بأن تشكل هاتان الحركتان الثوريتان جبهة موحدة ضد عدوهما المشترك: الاستعمار.
و ـ من المستحيل تحقيق ظفر الطبقة العاملة في البلاد المتقدمة، وتحرير الشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار، بدون تأليف جبهة ثورية مشتركة متينة الأركان.
ز ـ لا يمكن تشكيل جبهة ثورية مشتركة إلا إذا ساعدت البروليتاريا في البلاد الظالمة، مساعدة حازمة مباشرة، حركة الاستقلال الوطني للشعوب المظلومة للشعوب المظلومة ضد الاستعمار، «لأن الشعب الذي يستعبد شعوباً أخرى لا يستطيع أن يكون حراً» (ماركس).
ح ـ تكون هذه المساعدة في الدفاع عن تطبيق مبدأ حق الأمم بالانفصال عن البلاد المسيطرة المحتلة ـ المتروبول([12]) ـ وتشكيل دولة مستقلة بنفسها.
ط ـ من المستحيل، دون تطبيق هذا المبدأ، تحقيق اتحاد الأمم في نظام اقتصادي عالمي موحد، يكون أساساً مادياً لانتصار الاشتراكية.
ي ـ لا يمكن أن يكون هذا الاتحاد إلا اختيارياً قائماًَ على الثقة المتبادلة والعلاقات الأخوية بين مختلف الشعوب.
ومن هنا يظهر نشوء اتجاهين اثنين في المسألة الوطنية: الأول يستهدف الانعتاق السياسي من نير الاستعمار وإقامة دول وطنية مستقلة، وهو ميل يستمد جذوره من رد الفعل ضد الاضطهاد الاستعماري وضد استثمار المستعمرات، والثاني يبدو بتقارب الأمم الاقتصادي وهو اتجاه يعينه تشكيل سوق عالمية ونظام اقتصادي عالمي.
يقول لينين في كتاب «ملاحظات انتقادية» ما يلي:
«يدلنا تاريخ الرأسمالية على اتجاهين في المسألة الوطنية: الاتجاه الأول هو يقظة الحياة الوطنية والحركات الوطنية والنضال ضد كل اضطهاد وطني والعمل على خلق حكومات مستقلة والثاني هو تطور العلاقات المختلفة بين الأمم وهدم الحواجز الوطنية وخلق وحدة الرأسمال الأممية والوحدة الاقتصادية والسياسية والعلمية..الخ.. وهذان الاتجاهان هما القانون العالمي للرأسمالية: فالأول يغلب عليها في بدء تطورها، والثاني يدل على نضوج المجتمع و الرأسمالي السائر في طريق التحول إلى مجتمع اشتراكي».
ويمثل هذان الاتجاهان،عند الاستعمار متناقضات لا تحل، فالاستعمار لا يستطيع أن يعيش دون استثمار المستعمرات، ودون الاحتفاظ بها بالقوة داخل نطاق «كل موحد» Tout Unique وهو لا يستطيع أن يقرب بين الأمم إلا بالإلحاق القسري والتوسع الاستعماري.
وأما عند الشيوعية فالأمر بالعكس، لأن هذين الاتجاهين ليسا سوى وجهين لسير تطور واحد: هو تحرير الشعوب المضطهدة من نير الاستعمار. وبالحقيقة فإنا نعلم أن الاندماج الاقتصادي العالمي لا يمكن أن يتم إلا على أساس الاتفاق الاختياري الحر، كما أن تأليف اتحاد الشعوب الاختياري يجب أن يسبقه انفصال المستعمرات عن «الكل» «الاستعماري الموحد» وتحويل هذه المستعمرات إلى دول مستقلة.
ومن هنا نشأت ضرورة القيام بنضال شديد مستمر ضد شوفينية «الاشتراكيين» في الدول العظمى (انكلترا، فرنسا، أمريكا، إيطاليا، اليابان...الخ) الذين لا يريدون محاربة حكوماتهم الاستعمارية ولا تأييد المستعمرات المظلومة في نضالها لأجل تحررها وانفصالها عن المتروبول (أي البلاد المسيطرة المحتلة).
فبدون هذا النضال يستحيل تثقيف الطبقة العاملة في الأمم المسيطرة بروح الأممية الصحيحة، ويستحيل التقريب بينها وبين الجماهير العاملة الكادحة في المستعمرات وفي البلاد المستضعفة. ويستحيل تهيئتها للثورة البروليتارية. فلو لم تظفر البروليتاريا الروسية بعطف الشعوب المظلومة في الامبراطورية القيصرية القديمة وتأييدها لما انتصرت الثورة في روسيا، ولما اندحر كولتشاك وقهر دينيكين([13]) ولكن كان على البروليتاريا الروسية أن تحطم أولاً قيود هذه الشعوب وتحررها من نير الاستعمار الروسي حتى تتمكن من اكتساب عطفها وتأييدها،ولولا ذلك لكان من المستحيل توطيد دعائم الحكم السوفييتي،وغرس  فكرة الأممية الحقيقية، وخلق هذه المنظمة الممتازة لتعاضد الشعوب وتعاونها التي تسمى «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية» والتي تمثل أو نموذج لاتحاد الشعوب في المستقبل، في نظام اقتصادي عالمي.
ومن هنا نشأت ضرورة محاربة فكرة الاشتراكيين الضيقة في البلاد المظلومة، أولئك الذين لا يرون إلا مصالحهم الوطنية المباشرة فيقبعون في نطاق نشاطهم المحلي ولا يريدون أن يفهموا ارتباط الحركة التحريرية في بلادهم بالحركة البروليتارية في البلاد المسيطرة.
وإلا فمن المستحيل المحافظة على تضامن طبقة البروليتاريا في الأمم المضطهدة مع البروليتاريا في الأمم المسيطرة في نالها ضد عودهما المشترك: الاستعمار، كما أنه من المستحيل تحقيق الفكرة الأممية.
هذه هي الطريق التي يجب إتباعها في تثقيف الجماهير العاملة في الأمم المظلومة والأمم الظالمة بروح الأممية الثورية.
وإليك ما قاله لينين في هذا التثقيف:
«أيمكن أن يكون هذا التثقيف واحداً عند الأمم الكبيرة التي تضطهد أمماً أخرى، وعند الأمم الصغيرة المضطهدة، أي في البلاد المغصوبة؟
«طبعاً لا! أما السير فهو نحو هدف واحد، وهو: «المساواة التامة والتقارب الوثيق والاتحاد بين الأمم. ولكن السير نحو هذا الهدف الواحد يمكن أن يتخذ طرقاً مختلفة، كما يمكن الابتداء من الجانب الأيمن أو الأيسر من الصفحة للوصول على نقطة واقعة في منتصف هذه الصفحة.
«إذا نسي الاشتراكي في دولة كبرى ظالمة عند دعوته إلى اندماج الشعوب أن نيقولا الثاني([14])، وغيلوم([15])، وجورج الخامس([16]) وبوانكاره وغيرهم هم أيضاً من أنصار «الاندماج» مع الشعوب الصغيرة، ولكن عن طريق الإلحاق،وإذا نسي أن نيقولا الثاني من أنصار «الاندماج» مع البلجيك...الخ... عندئذ لا يكون إلا واعظاً سخيفاً من الوجهة النظرية، وعوناً للاستعمار من الوجهة العملية.
إن مركز الثقل في تثقيف العمال تثقيفاً أممياً في البلاد الظالمة يجب أن يكون في الدعاية لحق الشعوب المظلومة في الانفصال عن المتروبول وفي تأييد هذا الحق تأييداً تاماً. بدون هذا لا يمكن قيام أممية صحيحة. بوسعنا، بل من واجبنا، أن نعتبر كل اشتراكي في دولة عظمى استعمارياً وخائناً إذا لم يقم بهذه الدعاية. إن حق الانفصال عن المتروبول هو على غاية من الضرورة، وإن يكن هذا الانفصال قبل الاشتراكية غير ممكن التحقيق سوى مرة واحدة من ألف مرة.
أما الاشتراكي في أمة صغيرة فعليه بالعكس أن ينقل مركز الثقل لدعايته إلى القسم الثاني من كلامنا وهو «الاتحاد الاختياري» للأمم. وبذا يمكنه، دون أن يخرق واجباته كأممي، أن يسعى في الوقت نفسه لاستقلال أمته السياسي ولدخولها مع أية دولة مجاورة. إنما يجب عليه في كل الأحوال أن يناضل ضد الوطنية الضيقة وأن لا يحصر نفسه في حركته المحدودة الأفق، بل عليه أن يواجه مجموعة الحركة وأن يفهم وجوب إخضاع المصلحة الخاصة للمصلحة العامة.
«قد يبدو الذين لم يتعمقوا في المسألة أن هناك «تناقضاً» بين وجوب قيام الاشتراكيين في الدولة الظالمة بالمطالبة «بحرية الانفصال» وبين وجوب قيام الاشتراكيين في الأمم المظلومة بالمطالبة «بحرية الاتحاد» مع شعب آخر، لكن قليلاً من التفكير يكفي ليرى الإنسان أن ليس ثمة من سبيل إلى الأممية واتحاد الأمم غير التي بيناها في خطابنا».


([1]) ـ الأممية الثانية تأسست سنة 1879 بعد انحلال الأممية الأولى التي أنشأها كارل ماركس سنة 1863، وقد شوهت الأممية الثانية مبادئ ماركس وانحرفت عن خطته القويمة.
([2]) ـ القوميات «المتمدنة» هو تعبير يستعمله أنصار الأممية الثانية للدلالة على القوميات الأوروبية الصغيرة الضعيفة، للتمييز بينها وبين القوميات الشرقية الضعيفة التي يعدونها «متأخرة».
([3]) ـ الانتهازية ـ المتاجرة بالمبادئ.
([4]) ـ اللينينية ـ تعاليم لينين.
([5]) ـ الاستقلال الداخلي ـ وضعناها ترجمة لكلمة «autonomie» ومعناها أن ينال الشعب المظلوم شيئاً من حريته الداخلية ضمن نطاق سيطرة الدول الأجنبية عليه. وهو مبدأ تقره الأممية الثانية أيضاً.
([6]) ـ الإلحاق وضعناه ترجمة لكلمة «Annexion» أي ضم شعب مستضعف إلى دولة رأسمالية مستعمرة (بالكسر) بالعنف والشدة.
([7]) ـ الاشتراكيون الشوفينيون ـ تعبير أطلقه لينين على فريق من أنصار الأممية الثانية الذي ضحوا بقضية الطبقة العاملة لتأييد الطبقة الاستعمارية في بلادهم أيام حرب سنة 1914.
([8]) ـ الشوفينية ـ التعصب القومي الأعمى الذي يصل إلى درجة الهوس والبله في احتقار الشعوب والأجناس الأخرى وإبداء العداء لها. وهي من النظريات الرجعية التي ينشرها الاستعمار لتبرير سياسته والتي وضعتها الفاشستية الهتلرية والإيطالية في رأس برنامجها.
([9]) ـ أي أحزاب الطبقة العاملة، والمقصود بها هنا الأحزاب الشيوعية، والاشتراكية، والاشتراكية الديمقراطية، الخ....
([10]) ـ الأوتوقراطية ـ أي الحكم الملكي الفردي وهو في معناه الصحيح حكم الإقطاعيين المطلق عن طريق ممثلهم الملك.
([11]) ـ الرأسمال المالي ـ عرفه لينين كما يلي: «تمركز الإنتاج وما ينشأ عنه من احتكار واندماج الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي في بعضهما». ويصبح الرأسمال رأسمالاً مالياً عندما يسيطر المصرف الكبير على دور الصناعة والمعامل بما يشتريه فيها من أسهم، فيغدو والحالة هذه صاحب المال وصاحب الإنتاج في آن واحد.
([12]) ـ المتروبول ـ كلمة تطلق للتعبير عن القطر السائد بالنسبة للمستعمرات والبلاد المحكومة.
([13]) ـ قائدان قيصريان روسيان حاربا الحكومة السوفييتية عند نشوئها.
([14]) ـ نيقولا الثاني ـ آخر قياصرة روسيا.
([15]) ـ غليوم ـ امبراطور ألمانيا أثناء حرب 1914.
([16]) ـ جورج الخامس ـ ملك انكلترا الأسبق.

ليست هناك تعليقات: